الجمعة 16 ، ربيع الأول لعام 1443 الموافق 22 ، أكتوبر لعام 2021 16/ربيع الأول/1443 هـ الموافق 22/10/2021 م
logo main

تفاصيل الخبر

المجسمات الجمالية في المملكة العربية السعودية.. ما بين الواقع والمأمول

  • هناء بنت راشد الشبلي
  • 24 ، شوال 1442 الموافق 5 ، يونيو 2021
  • جريدة الجزيرة

تعكس المجسمات الجمالية المنصوبة في الميادين أو في الحدائق والجداريات المرسومة التطور الثقافي والحضاري وتطور الفكر والتصميم لمدن العالم, فعندما نسافر لأي مدينة في داخل المملكة العربية السعودية أو خارجها لا بد أن يلفت نظرنا شكل الميدان المرتبط بشوارع أي مدينة، وإذا كانت هذه المدينة واحدة من العواصم العالمية سنحرص كثيراً على التواجد في أحد الميادين الكبيرة بقرب أشهر مجسم جمالي منصوب فيها لالتقاط صورة تذكارية توثق هذه الزيارة. ففي العصر الحديث لم تعد تخلو مدينة في العالم بشرق الأرض أو غربها من أعمال جمالية نحتية في الميادين والحدائق لتسجّل صفحة من تاريخها أو تخلّد بعضا من شخصيات رائدة في الثقافة والعلم أو تعرض أعمال فنانين تشكيليين مشهورين بهدف التزيين أو التجميل, فالمجسمات الجمالية في الميادين والحدائق لها أهميتها من حيث أنها إحدى وسائل تنمية التذوق الفني والاستمتاع الجمالي لدى أفراد المجتمع مع تعميق الإحساس بالحياة, وتعمل على كسر رتابة الحياة اليومية, ومحاربة التلوث البصري السائد في كثير من المدن, وهي كذلك مهمة جدا في عملية الجذب السياحي.

فمن يتابع أشكال المجسمات الجمالية في مناطق المملكة يجد اجتهاد الأمانة والبلدية في تجميل مداخل المدينة وتزيين شوارعها لكن معظمها تتشابه في الفكرة والخامة والألوان بحيث لا يمكن تمييز منطقة عن أخرى وتتركز فكرة تصميمها على شكل الدلال والمباخر والأواني الشعبية وغيرها مما أضفى عليها طابعاً موحداً وكلاسيكياً على هذه المجسمات وجعل عقليات مسؤولي البلدية تتأطر بهذه المناظر والمجسمات المعتادة، وكأنه لا يوجد غيرها أو أفضل منها، وقليلا ما نشاهد مجسماً جمالياً يعكس ثقافة المنطقة وتاريخها ونوع البيئة والثراء الفني رغم التمايز في البيئات الجغرافية للمملكة المترامية الأطراف, وإن ما يحصل من سوء مستوى صناعة هذه المجسمات وتدني مستوى إنتاجها يؤثر سلبا في كل من يتعايش حولها، حتى أن ذلك يسهم في انخفاض المستوى الفني والذوق العام عند أفراد المجتمع, ونعزو ذلك إلى لجوء أمانات المناطق والمحافظات والجهات المسؤولة عن تنفيذها إلى الميزانية الأقل لاعتماد المشروع عند شركات تنفيذ رخيصة بالسعر وغير مختصة لإتمام مثل هذا العمل.

وقد تداولت وسائل الإعلام في الفترة الماضية خبر توجيه أمير منطقة مكة المكرمة صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل حفظه الله بإزالة مجسمات جمالية بمدينة جدة بعد موجة انتقادات واسعة لشكل المجسم مع لوم لأمانة محافظة جدة التي وافقت عليها وانتقاد للفنانة السعودية التي اجتهدت وبادرت بمشروع وطني وتبرعت بوضعها في أماكن عامة, وهذا الخبر جعل الكثير من فئات المجتمع يتساءل في مواقع التواصل الاجتماعي عن الجهة المسؤولة عن اعتماد هذا المشروع, كما طرحوا اقتراحات كثيرة كي لا تهدر الميزانيات على مجسمات غير مقبولة وعرضوا صوراً كثيرة لمجسمات جمالية أخرى غير مقبولة نفذت في مناطقهم.

فالمدن السعودية تزخر بمجسمات جميلة وناجحة ولها تاريخ جميل ومن الأمثلة مدينة جدة التي تعد من أوائل المدن السعودية التي اكتسبت مكانة متميزة في مجال المجسمات الجمالية وعرفت بها من بينها، وجرى تسجيل عددٍ منها في موسوعة «جينس» للأرقام القياسية مما أهلّها لأن تكون محطة فنية في تاريخ كل مسافر إلى جدة، إلى جانب أهميتها الدينية في كونها بوابة الدخول إلى مكة المكرمة، وفي فترة السبعينات أطلق السيد محمد سعيد فارسي أمين محافظة جدة مشروع «تجميل جدة» وقام بشراء ما يزيد عن 400 عمل نحتي تضمّنت أعمال مهمّة لفنانين عالميين مثل هنري مور، جون ميرو, إسكندر كالدر وآخرين, وهذا جعلها تكون من أهم مقتنيات الفن العام في العالم وأكثرها تنوعاً, وفي عام 2000م قررت مؤسسة فن جميل بالتعاون مع أمانة محافظة جدة ترميم تلك المجسّمات التي بدأت تتدهور حالتها بهدف إبراز أهميتها وذلك عن طريق إنشاء متحف مفتوح للمجسمات، عُرض به 20 عملاً في حديقة على مساحة 7 ك م في الكورنيش الأوسط بجدة التي تعرف محلياً باسم «الحمراء».

هذه المقدمة تفتح باب النقاش حول تطوير الميادين والحدائق وأماكن الفراغ داخل مناطق ومحافظات المملكة العربية السعودية وتطرح عدة تساؤلات مهمة مع بعض المقترحات المأمول تنفيذها مستقبلا والتي نرجو أن يؤخذ بها لكيلا يتكرر مثل هذا الحدث, خاصة أن المملكة في ظل حكومتها الرشيدة واهتمام مهندس الرؤية ولي العهد الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان حفظه الله الذي أقر تفعيل مشاريع تنموية ضخمة للمناطق والمحافظات ترتبط بتاريخها وهويتها ومن أهمها برنامج جودة الحياة ورياض آرت وغيرها من مشاريع تهتم بإنشاء مجسمات جمالية تتناسب مع تطلعاتها القادمة, ومن أهم هذه المقترحات:

- تشكيل لجنة فنية منبثقة من أمانة المنطقة أو المحافظة تكون تحت إشراف لجنة عليا من وزارة الثقافة عند تنفيذ أي مجسم جمالي, تتكون هذه اللجنة من أعضاء مختلفي التخصص يكون بينهم تنسيق حقيقي لإتمام أي مشروع بشكل سليم, وتتضمن اللجنة خبراء من أربعة تخصصات (فنون جميلة أو فنون تشكيلية, عمارة, تخطيط عمراني, مسؤول من المرور) وإذا كانت المنطقة أثرية لا بد من توفر تخصص خامس وهو (خبير آثار) ليعطي رأيه في التصميم ومدى مناسبته للمكان, ولكل منهم دوره المهم الذي يتكامل مع بقية التخصصات، فالمختص في مجال التخطيط العمراني بالتعاون مع مهندس العمارة يقدمان دراسة عن المحيط العام للمكان والعلاقة بين مكوناته المختلفة واستخلاص قراءة للمحيط الحضري للميدان والاستعمالات التي حوله, أما المسؤول في المرور يقدم قراءة عن طبيعة الحركة في الميدان ومكان وجود إشارات المرور واتجاهات الحركة للسيارة والمارة بأنواعهم (كبار سن, أطفال, ذوي الإعاقة)، ثم يأتي بعدها دور المختصين في الفنون الجميلة والتشكيلية لوضع التصميم النهائي المناسب للمكان بعد قراءة كل ما سبق تقديمه ويتناسب مع طبيعة الميدان، فالأمر لا يختص بالدائرة الصغيرة لمكان الميدان, ولكنه يتعلق بكل ما حوله من عناصر عمرانية وبيئية يجب أن تكون متناغمة معه.

- الصيانة الدورية للمجسمات الجمالية للمحافظة عليها من التلف, مع أهمية وضع كاميرات مراقبة لرصد أي عبث أو تخريب.

- تكاتف وزارة التعليم مع أمانة كل منطقة ومحافظة والبلديات لعمل حملة توعية للطلبة بالاهتمام بالمجسمات الجمالية ودورهم في نظافتها والمحافظة عليها.

- تشجيع الجهات الخاصة من مؤسسات وبنوك ورجال الأعمال للمساهمة في إنشاء مجسمات جمالية عند الجامعات والمستشفيات والميادين والحدائق وعند مداخل المدن.

- إقامة مسابقات للفنانين لتصميم مجسمات جمالية تتناسب مع هوية المنطقة أو المحافظة تتضمن جوائز مجزية لتشجيعهم على طرح أفكار إبداعية, ويمكن الاستفادة من تلك التصميمات عند اعتماد أي مشروع لتجميل أي فراغ بالمدن.

- عندما يسند تصميم المجسم الجمالي للفنان عليه الاهتمام بالتالي:

1 - اختيار رموز فنية تعبر عن هوية أفراد مجتمعه وأفكارهم من خلال الاهتمام بالأبعاد الثقافية والجمالية والحسية والمادية والفكرية والفنية باعتبارها تيارات ثقافية فنية.

2 - اختيار الأسلوب الفني الذي يتلاءم مع طبيعة خامة المجسم الجمالي في الميادين أو في الحدائق, كونه يعكس دوراً جمالياً فيما يشبه الرسالة حين ينفذ إلى أعماق المتلقي ويستقر في وجدانه فيؤثر فيه ويتأثر به ويستجيب للشكل القائم أمام حواسه وسطحها وکتلتها، کما يظهر تناسق معين متعلق بالسطح والشكل والكتلة لينتج في صورة إحساس بالمتعة، بينما يؤدى الافتقار إلى مثل هذا التناسق بين الشكل الجمالي وبين المتلقي إلى خلق شعور بعدم الارتياح أو اللا مبالاة أو حتى عدم الرضا وبالتالي النفور التام.

3 - الاهتمام بعنصر الحجم الذي يلعب دوراً مهماً في إبراز الجسم الجمالي وإدراك التناسق بين الشكل والحجم بعد أن يتدارس جيداً مساحة المكان وعلاقته بالمستوى الرأسي له ومحاور الرؤية حتى لا يضعه في مساحة أقل من المناسب لرؤيته من قبل الآخرين فيحدث اختناق للشكل العام ويفقد جماليته, فالضخامة والمبالغة في الحجم تعد ضرورة من ضروريات بناء المجسمات الجمالية في الأماکن العامة التي تملك مساحات فراغية متسعة تتيح رؤيتها من مسافات بعيدة وبوضوح.

4 - إيجاد عنصر الإحساس بالجلال الذي يعني سمو المعنى قبل عنصر الجمال في المجسم, فالجمال يبتعد بالعمل الفني عن الشعور بالجلال الذي هو أحد شروط الإحساس بالجلال والشموخ, ويأتي الإحساس بالجلال نتيجة لقوة موضوع العمل ورمزية عناصره (نفسياً).

5 - مراعاة عنصر البساطة في الشكل والتخلي عن التفاصيل مع وضوح العمل في المجسم الجمالي لأن الاهتمام في التفاصيل تشتت الاتجاه رغم وحدة الشكل وتمنع الوضوح بالهدف, فالبساطة مع الوضوح تجعل المتلقي ينبهر ويقتنع بأهداف العمل الفني.

6 - التأكيد على عنصر السمو في الهدف من خلال نبل الموضوع وجلال المعنى, فليس من المعقول أن يقدم مجسم جمالي عبارة عن تجربة ذاتية عاشها الفنان في حياته الشخصية, فالأهم هو تخليد قضية عاشها أفراد المجتمع وآمنوا بها أو حرب انتصروا بها لتوثيق تاريخ جميل للوطن.

وأخيرًا هذه المقترحات المقدمة تهدف للصالح العام وليست بهدف الترصد والإحباط, وهي أمنية كل مواطن ومقيم يعيش على أرض المملكة, ونأمل كثيراً من الجهات المسؤولة عند تنفيذ المجسمات الجمالية الالتفات لهذا الموضوع الذي أزعج الكثير منا منذ سنوات وكتب فيه الكثير من الغيورين على بلدهم مطالبين بالتطوير والتحسين.