الثلاثاء 14 ، ذو الحجة لعام 1441 الموافق 4 ، أغسطس لعام 2020 14/ذو الحجة/1441 هـ الموافق 4/08/2020 م
logo main

تفاصيل الخبر

من سيعيش في الرياض بعد مئتي عام؟

  • فهد عامر الأحمدي
  • 26 ، ذو القعدة 1437 الموافق 29 ، أغسطس 2016
  • جريدة الرياض

حول العالــــم

من سيعيش في الرياض بعد مئتي عام؟

 

في عام 2216 انتقلت آخـر عائلة من مدينة الرياض ولم تهـتم حتى بإغلاق باب البيـت خلفها.. فـالمدينة لم تعد قابلة للحياة وبدأ سكانها يتناقصون بالتدريج منذ خمسين عاماً.. انتقل معظمهم للعيش في مدن آبائهم وأجدادهم الأصلية في الجزيرة العربية.. صحيح أن البيوت والعقارات والأراضي أصبحت مجاناً وملكاً مشاعاً، ولكن أحـداً لم يعـد يرغب بالعيش فيها أصلاً.. صحيح أن الطرقات لم تعد مزدحمة، والسيارات شبة منعـدمة، ولكن العيش في المدينة أصبح مستحيلاً بسبب شح المـياه وارتفاع درجة الحرارة وانقطاع الكهرباء وانتقال الوظائف والشركات للمدن الأخرى.. تحولت بالتدريج إلى مدينة أشباح وبدأت الرمال تغطيها والمخلوقات الصحراوية تتجول فـيها..

لم تكن المشكلة مفاجئة أو طارئة لأن المدينة تعاني من هذه التراكمات منذ زمن طويل.. ليست مفاجئة لأنها من الأساس لم تكن صالحة للسكن حتى في عز ازدهارها قبل مئتي عام؛ فهي لا تجاور بحيرة عذبة أو نهر رقراق أو تملك ميناء مزدهرا أو تقع على مفترق تجارة دولي.. لا تملك حولها مزارع تزودها بالطعام، أو مصادر تزودها بالطاقة، أو بـيئة أعمال تشجع العالم على القدوم إليها.. كان السبب الوحيد لازدهارها في الماضي هـو اتخاذها عاصمة للدولة السعودية وتركز معظم الخدمات والإدارات الحكومية فـيها.. غير أن العوامل البيئية السلبية ــ من تلوث وشح مياه وارتفاع حرارة وتهالك البنية التحتية ــ جعل الدولة في النهاية تقرر الانتقال منها وبناء عاصمة جديدة في منطقة أخرى قابلة للحياة..

وبخروج آخر عائلة من الرياض تحولت (مثل مدن عالمية كثيرة سبقتها) إلى مدينة أشباح لا يسكنها الناس.. أصبحت مثل مدينة فاندربيلت في كاليفورنيا، وإيفيتوت في أيسلندا، وأنكور في كمبوديا، وبريبيات في أوكرانيا، وهشيمي في اليابان ــ بـل ونيويورك في فيـلم أنـا الأسطورة ـــ مدينة توقف فيها الزمن خالية من مظاهر الحـياة وحركة البـشـر وضحكات الأطفال!!

... هذه سُـنة الله في أرضه، حدثت في الماضي وستحدث في المستقبل.. فـالمدن تولد وتنمو وتزدهر، قبل أن تشيخ وتهرم وتموت..

وهذا السيناريو قــد يكون مبكراً بالنسبة للرياض ولكنه وقع خلال القرن العشرين لمدن عالمية كثيرة (والأسماء السابقة مجرد مثال).. حتى حين نعود إلى التاريخ البعيد نجـد مدناً قديمة أما هجرها أهلها بسبب شح المـياه أو تغير طرق التجارة أو حتى ظهور دول ومدن قريبة مزدهرة.. عاصمة البيرو مثلاً ماتشو بيتشو هجرها أهلها بسبب شح المياه.. وإرم ذات العماد (التي لم يخلق مثلها في البلاد) غادرها الناس بسبب التصحر وتبدل المناخ.. ومدينة أنكور في كمبوديا فقدت في الغابات لقرون بسبب انتقال إمبراطورية الخمير لمنطقة جديدة.. أمـا بريبيات في أوكرانيا فهجرها سكانها مرتين، الأولى قبل تسعة قرون والثانية عام 1986 بعد انفجار مفاعل تشرنوبل النووي..

مشكلة الرياض أنها تملك أجزاء صغيرة من جميع الأسباب القاتلة للمدن ـــ باستثناء التلوث النووي الذي عوضته بالتلوث الصناعي..

وبالطبع لا نحتاج للقول بأن هذا السيناريو (الخيالي) مجرد محاولة لتوضيح الفكرة وتصوير الرؤية وتلافي الكارثة المحتملة.. دعـوة لإبـقـاء الرياض مدينة مزدهرة تملك كافـة مقومات الحياة البيئية والإستراتيجية والاقتصادية ـ وتخليصها من عـوامل الطرد الاقتصادي والاجتماعي والترفيهي الذي تعاني منه هذه الأيـام.